السادات.. قصة رئيس قُتل يومَ ذكرى انتصاره في حرب أكتوبر

أربعة وأربعون عامًا مروا على نصر أكتوبر العظيم و36 سنة على استشهاد صاحب قرار العبور، قائد الانتصار العظيم على اليهود الإسرائيليين، الرئيس السابق لجمهورية مصر العربية محمد أنور السادات.

في مثل هذا اليوم السادس من أكتوبر عام 1981 والذي وافق بتاريخها يوم الثلاثاء، اغتيل “السادات” وسط وزراءه وأبناء جيشه في احتفالية ذكرى نصر أكتوبر  السابعة.

كان السادات منذ النصر عام “73” قد اعتاد أن يقيم عرض عسكري ضخم بالأسلحة الثقيلة في احتفالية ذكرى الحرب يوم 6 أكتوبر، إلا أنه لم يتوقع برهة أن يكن يوم انتصاره هو نفسه يوم رحيله.

ولم يتخيل أنه سيُقتل بين جنوده، على يد عناصر خسيسة خائنة من أفراد قواته المسلحة، ففي تمام الساعة 12.20 دقيقة من ظهر ذلك اليوم، وبينما كان السادات جالسًا على المنصة يشاهد العرض العسكري، بدأت أكبر عملية اغتيال في تاريخ مصر، فيما يعرف ب “حادث المنصة”.

 

ما قبل حادث المنصة

بدأ السادات يوم السادس من أكتوبر عام 1981، كما اعتاد دائمًا تناول فطوره وقسط من التدليك من مدلكه الخاص، ومارس بعض التمارين الخفيفة.

بعدها ارتدى بدلته الهتلرية المصنوعة في إنجلترا، والتي كان يحب ارتدائها دومًا في ذكرى الحرب، فقد كان عاشقًا للألمان حتى أنه كان يجعل الجنود يرتدون الخوذة الألمانية في العرض العسكري الخاص باحتفالية الحرب.

تلقى الرئيس وقتها عدة مكالمات تهنئة من بعض رؤساء الدول، وبعدها غادر بموكبه الرئاسي في العاشرة صباحًا إلى مكان الاحتفال، ورفض أن يرتدي القميص الواقي من الرصاص.

تقول قرينة الرئيس الشهيد “جيهان السادات” إن السادات كان يعلم أن هناك مخطط لاغتياله، وكانت أجهزة الأمن قد أفادته بتقارير عن مخططات لإحدى الجماعات، التي تريد قتله.

وكان السادات يرى أن ذلك لا يمكن أن يحدث، وأنه كان مطمئن بعدما قبض الأمن المصري على العديد من الإرهابين وأفراد الجماعة الإسلامية في أحداث سبتمبر.

حتى أنه ألمح لذلك الأمر في خطابه الأخير بمجلس الشعب، وقال إن أجهزة الأمن قبضت على أفراد خلية إرهابية معينة ولم يهرب منها سوى رجل واحد هو “عبود الزمر” أحد المخططين الرئيسيين لعملية اغتيال السادات، وقد كان وقتها “مقدم استخبارات مفصول من الجيش”.

السيدة جيهان السادات ذكرت في إحدى حواراتها التليفزيونية، أنها ألحت على زوجها لارتداء القميص الواقي من الرصاص،  لكنه رد عليها قائلًا:”إفرض الرصاصة جاتني في راسي”.

أيضًا اللواء نبوي إسماعيل وزير الداخلية وقتها أراده أن يرتدي القميص الواقي، فقال له بنبرة قوية:” أنا رايح لأولادي، أنت خواف وهوال يا نبوي”.

 

على الجانب الآخر، كان هناك أربعة أفراد من الجيش المصري، قد استيقظوا منذ السادسة من صباح ذلك اليوم، لكي يعدوا العدة ويجهزوا الأسلحة والذخائر، التي سيتخدموها في عملية اغتيال السادات.

هولاء الأربعة هم خالد الإسلامبولي (ملازم أول بسلاح المدفعية)، و الرقيب المتطوع حسين عباس محمد من قوة الدفاع الشعبي، وهما الجانيان الرئيسيان في عملية قتل السادات.

كانت فكرة قتل السادات تسيطر وقتها على بعض الجماعات الإرهابية مثل “الجماعة الإسلامية” التي كان “الإسلامبولي وعباس” على صلة بها، وكانت تلك الجماعة تطمع في قتل السادات والسيطرة على الحكم.

إلا أنها كان مجرد أفكار لديهم، لم يتخيلوا أنهم قادرون على تنفيذها على أرض الواقع، إلا أن اختيار “الإسلامبولي” يوم 23 سبتمبر، ليشارك في العرض العسكري، بدلًا من جندي آخر منعته بعض الأسباب من المشاركة، كانت بداية تحول الأفكار، لمخطط فعلي يمكن تنفيذه على أرض الواقع.

فقد خطر الفكرة في بال “الإسلامبولي” وقتها وتحمس لها خاصة إن بعض أعضاء الجماعات الإسلامية قالوا إنه كان يكره السادات جدًا ولاسيما بعد القبض على أخيه في “أحداث سبتمبر” التي سبقت الاحتفالية وقتها.

الإسلامبولي عرض الفكرة على زميله بالجيش والجماعة عباس محمد، ثم على عبود الزمر ضابط الاستخبارات المفصول، والذي أتى لهم مسرعًا ليضع خطة عملية القتل.

وشاركهم إثنين أخرين من عناصر الجيش في عملية الإغتيال والذين كانوا يؤمنون بفكر الجماعة الإسلامية الخاص بقتل السادات والسيطرة على الحكم، وهما: النقيب عبد السلام (ضابط بالقوات الجوية)، والملازم أول المهندس الاحتياطي عطا طايل حميدة من مركز تدريب المهندسين”.

 

تفاصيل حادث المنصة

بدأ العرض العسكري لاحتفالية الذكرى السابعة عى نصر أكتوبر في تمام الساعة 11 صباحًا، وكان السادات يجلس وإلى يمينه نائبه حسني مبارك، وعلى يساره المشير عبدالحليم أبو غزالة وزير الدفاع.

وبدأ العروض العسكرية تبهر الحاضرين خاصة طائرات “الفانتوم” التي مارست ألعاباً بهلوانية في السماء ثم انطلق صوت المذيع الداخلي “الآن تأتي المدفعية” وكان ذلك في تمام الساعة 12.15.

تقدم قائد طابور المدفعية لتحية المنصة، وحوله عدد من راكبي الدراجات النارية. لاحظ الجميع توقف إحدى الدراجات بعد أن أصيبت بعطل مفاجئ.

ونزل قائدها وراح يدفعها أمامه، لكن سرعان ما انزلقت قدمه، ووقع على الأرض، والدراجة فوقه. فتدخل جندي كان واقفاً إلى جوار المنصة، وأسعفه بقليل من الماء.

حدث هذا الموقف أمام الرئيس الراحل والحاضرين. وأسهمت تشكيلات الفانتوم وألعابها في صرف نظر الحاضرين واهتمامهم، لذا عندما توقفت سيارة خالد الإسلامبولي قائد عملية الاغتيال، ظن الجميع أن السيارة والدراجة النارية تعطلتا.

الساعة  الـ12.20 كانت سيارة الإسلامبولي، وهي تجر المدفع الكوري الصنع عيار 130مم، قد أصبحت أمام المنصة تمامًا، وفي لحظات وقف القناص حسين عباس، وأطلق دفعة من الطلقات، استقرت في عنق السادات.

في حين كان “الإسلامبولي” يصرخ في السائق يأمره بالتوقف، ونزل مسرعاً من السيارة، وألقى قنبلة ثم عاد وأخذ رشاش السائق وطار مسرعاً إلى المنصة.

كان الرئيس الراحل وقتها قد نهض واقفاً بعد إصابته في عنقه وهو يصرخ، ويردد كلمة “غير معقول”، بينما اختفى جميع الحضور أسفل مقاعدهم .

بينما كان دخان قنبلة الإسلامبولي يمنع الرؤيةـ تسلل  الإسلامبولي إلى أمام المنصة مباشرة وأطلق العديدة من الأعيرة النارية في صدر السادات.

في حين ألقى كل من عطا  بقنبلة، لم تصل إلى المنصة ولم تنفجر، وعبدالحميد عبدالسلام بقنبلة أخرى نسي أن ينزع فتيله، فوصلت إلى الصف الأول ولم تنفجر هي الأخرى.

بعدها صعد “الإسلامبولي وعبد الحميد” إلى داخل المنصة وأعادوا إطلاق الرصاص في صدر السادات، ليستشهد الرئيس السابق في عملية إغتيال لم يستغرق تنفيذها أكثر من 44 ثانية.

 

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *