كتابة وتصوير : محمد أنور

_ ما تكاد تطئ قدماك ذلك المكان حتى تصيبك رهبته وتدركك وحشته ، ويضيق صدرك كأنك نزلت حيا الى قبرك ،  تختلط مشاعرك ما بين خوف ويأس تغطيك ظلمته رغم شروق الشمس ، تقف مذهولا أمام قسوة الأنسان على أخيه الأنسان ، مندهشا من براعته في التنكيل بضحيته ، متعجبا كيف أصبح في التعذيب لذته ، وفي إهراق الدماء ترتوي ظمأته ، وفي أنطفاء الأرواح تشتعل جذوته ، وبسماع التوسلات يبلغ نشوته…

على مر العصور كانت السجون هي لغة الظالمين ، ووسيلتهم المثلى في قمع المعترضين والمخالفين ، و مهما اختلفت الحضارات ، وتباينت الثقافات ، ومهما حرمت الديانات ، كانت السجون هي العامل المشترك ، وهي ميدان المعترك ، بين الحق والباطل أقدم ندين وألد خصمين ..

وكان “سجن القلعة” واحدا من تلك الميادين ، الباقية الى الان ليحكى لنا واحدة من قصص ظلم الأنسان لأخيه الأنسان …

_ في عام 1874 م وعندما قرر “الخديوي إسماعيل” نقل مقر الحكم من “القلعة” الى “قصر عابدين” ، أصدر أوامره بأنشاء “سجن القلعة” ،والذي يعود تاريخه الى العصر المملوكي ، ليكون سجنا للأجانب ، وكانت زنزاناته قليلة وشديدة الحراسة. ولما تولى “الخديوي توفيق” الحكم بعد وفاة أبيه قام بتوسعة السجن ، فأضاف 44 زنزانة وأربع غرف تعذيب ، ولم يعد مقتصرا على الأجانب فقط وأنما ضم أيضا الكثير من المعارضين المصريين ،حتى تحول تدريجيا لسجن خاص بالمعتقلين السياسيين ، وفي عام 1952 م وبعد قيام الثورة تمت توسعة السجن للمرة الثانية على يد “جمال عبد الناصر” وأصدر قرارا بتحويله الى سجن سياسي ، ووضعه تحت مسئولية “البوليس السياسي” ، بقيادة “شمس بدران” و “صلاح نصر”. وشهد في هذه الفترة الكثير من الأعتقالات ، ومن جميع التيارات الفكرية والسياسية والدينية ، بداية من شيخ الأسلام “بن تيمية” وصولا الى رموز معاصرة مثل الأديب “جمال الغيطاني” و الشاعر “عبد الرحمن الأبنودي” و “أحمد فؤاد نجم” وصديق عمره “الشيخ أمام” ، وغيرهم مثل “صلاح عيسى” و “إبراهيم سعد الدين” و “شكري مصطفى” أمير تنظيم التكفير والهجرة ، و”عبود الزمر” و “عمر عبد الرحمن” و “عبد الحميد كشك” ، والمئات غيرهم والذي لا يتسع المجال لذكرهم ..

والسجن عبارة عن ممر طوله 50 م تقريبا ، تقسم فيه الزنازين على جانبي الممر ، والزنزانة يوجد بها سريرين ، وبها شباك علوي على أرتفاع 2.5 م ، والباب به فتحة قطرها 10 سم ، وكان السجن معدا للأعترافات والأستجوابات ، والأعتقالات قصيرة المدة ، ثم يتم ترحيل المسجون للمعتقلات العمومية مثل “ليمان طرة” أو “أبو زعبل”…

و”سجن القلعة” يعتبر من أشد وأقسى السجون المصرية ، فقد كان يحوي الكثير من أدوات التعذيب والتنكيل ، وكان به ثمانية غرف للتعذيب ، وكانت أشهر تلك الغرف غرفة “الشواية” وكانت مزودة بنظام غازي وهو عبارة عن مواسير تمر بجدار الزنزانة يتم اشعال الغاز بداخلها مما يجعل الجدران شديدة السخونة وتتحول الزنزانة الى فرن حقيقي ، ويتم ادخال خمسة مساجين دفعة واحدة الى الزنانة ، لينتزعوا منهم الأعترافات . وهناك أيضا غرفة “التعليق” ، وغرفة “الحلقات” والتى صممها فرنسي يدعى “لوميان” على غرار غرفة مشابهة لها في سجن “الباستيل” الفرنسي ، ويتم تعذيب السجين فيها بأن يعلق من قدميه في السقف مع تدويره بشدة ، بالأضافة الى غرف تعذيب أخرى مثل “الفلكة” و “العروسة” ..

ومن السخرية أننا نرى السجان وقد أصبح سجينا ، فهاهم رجال المشير وعبد الناصر يقبعون داخل الزنازين التى كانوا جلاديها بالأمس ويتجرعوا من نفس الكأس ، فها هو “شمس بدران” و “حمزة البسيوني” و “شعراوي جمعة” و “سامي شرف” و “علي صبري” وغيرهم بعد عزا يذلون وبعد كرامة يهانون . وعز من قال “وتلك الأيام نداولها بين الناس” و “يعز من يشاء ويذل من يشاء ”

وكان ذلك في عهد الرئيس  “محمد أنور السادات” الذي كان هو نفسه واحدا من نزلاء السجن في يوم من الأيام ، حيث كان متهما في قضية مقتل “أمين عثمان” .

ظل السجن على هيئته وبنفس دوره حتى تولي الرئيس “حسني مبارك” الحكم ، وأستمر ثلاث سنوات من حكمه حتى عام 1984 م ، حتى أصدر قراره بإغلاق السجن نهائيا وتحويله الى متحف للشرطة ، وفي عيد الشرطة الموافق 25 يناير 1986 م قام وزير الداخلية “أحمد رشدي” بأفتتاح المتحف ، ومنذ ذلك التاريخ أصبح “سجن القلعة” متحفا من متاحف الشرطة ومزارا عاما مفتوحا للجماهير …

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *